المثلية الجنسية: نظرة على واقعها العربي وتاريخها الغربي

ثقافة ومجتمع
إعلام

#1

لم تعد المثلية الجنسية ثقافةً أو ممارسةً تحتية خجولة ومختبئة في مجتماتنا العربية، فهي ورغم استمرار ممارسة العنف والاضطهاد والتمييز وعدم الاعتراف ضدّ مثليّي الجنس، قد بدأت تجد لها طريقاً إلى النور والعلنية ومحاولات التنظيم والمطالبة بالحقوق، وتفرض نفسها كأمر واقع، وإن كان ذلك بتفاوت نسبيّ بين بلد وآخر، حيث أنّ العقوبة التي تفرضها السعودية على المثليّين قد تصل إلى الإعدام، بينما سنلاحظ التساهل الذي يوجد في لبنان إلى حدّ ما في هذا الموضوع. في مقابل ذلك فإنّ قبول الظاهرة في البلدان الغربية، وسنّ التشريعات القانونية الملائمة للاعتراف بحقوق المثليين وحمايتهم، لم تأت بسهولة أو لأنّها جزء من مظاهر “الانحلال واللاأخلاق التي تسم هذا الغرب الكافر” كما يحلو للبعض القول، بل هي نتيجة تطوّرات تدريجية ساهم في دفعها وإنضاجها خروج الظاهرة إلى العلن، ونضال المثليين من أجل حقّهم في احترام نمط حياتهم وأن يعاملوا كغيرهم، في بلدان ومجتمعات هي بالأساس متبنّية لمواثيق حقوق الإنسان والحرية الفردية وملتزمة بها.
في تقرير نشرته CNN العربية على موقعها الإلكترونيّ في حزيران الفائت، نقرأ عن إطلاق مثليّين جنسيّين من بلدان عريبة عدّة منها: المغرب، السعودية، الأردن، وسوريا، لجمعيات خاصة بهم على شبكة الإنترنت. ويذكر التقرير أرقاماً لعدد منتسبي بعضها، حيث يوجد خمسمائة عضو في جماعة سعودية تطلق على نفسها “شواذّ جدة”، وهناك جمعية سورية تحمل تسمية “مثلي مثلك” تضمّ مئتي عضو. وقد أورد التقرير المذكور مقابلات أجريت مع أعضاء في الجمعيات المذكورة. وتعمل الجمعيات الافتراضية تلك على خلق فرص للتواصل والتعارف بين مجتمع المثليين، وتطالب من خلال الفيس بوك والمواقع الإلكترونية الأخرى بالاعتراف بالمثليين واحترام خياراتهم، وإلغاء القوانين الجزائية التي تجرّمهم في بلدانهم.
وطبعاً فإنّ الأرقام هذه لا تعطي أيّ فكرة حقيقية أو دقيقة عن الأعداد الفعلية للمثليين في تلك البلدان، وإنما هي فقط أرقام تخصّ تلك الجمعيات وعلى ذمّة مسؤوليها.
ولعلّ الأهمّ من تلك الجمعيات الافتراضية، بل والذي يمكن اعتباره حدثاً نوعياً وبارزاً على هذا الصعيد هو تأسيس جمعية هي الأولى من نوعها في المنطقة، مسجلة قانونياً، وتعنى بالمثليين وتطالب لهم بالحقوق المدنية والقانونية. هذه الجمعية هي “حلم حماية لبنانية للمثليين” التي تأسّست في لبنان منذ العام 2004، وحصلت على الترخيص القانوني من وزارة الداخلية اللبنانية في نهاية عام 2007 استناداً إلى مبدأ حرية تأسيس الجمعيات المعمول به في لبنان. وتقدّم الجمعية خدماتها المختلفة للمثليين ابتداءً من الدعم المعنوي والنفسي والقانوني، مروراً بالمساعدة في حلّ الخلافات والمشاكل العائلية التي تنشأ بين المثليين وأسرهم، كما تقوم بحملات للتوعية من مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، وصولاً إلى تقديم التسهيلات لهجرة المثليين المضطهدين في بعض الحالات الخاصة إلى كندا وأستراليا، حيث يوجد فروع للجمعية بين الجاليات اللبنانية هناك وتعمل على رعايتهم والاهتمام بهم حتى بعد الهجرة.
يمكن اعتبار أنّ انتشار المثلية وازدياد أعداد المثليين، أو لنقل ازدياد مساحة الحرية نسبياً والقدرة على الاعتراف بها، بات حقيقة واقعية ممّا يتطلب التعامل مع القضية بالكثير من الشفافية والوضوح، بغضّ النظر عن اعتبارها شذوذاً أو مرضاً نفسياً أو حالة طبيعية. فهؤلاء البشر هم أعضاء في هذه المجتمعات شاء من شاء وأبى من أبى. وهم أصحاب أدوار اجتماعية أو اقتصادية أو علمية أو غير ذلك من مقتضيات سير الحياة والتعامل اليومي بين الناس. فهل سيُختصر الإنسان وتختزل قيمته فقط في هويته الجنسية أيّاً تكن؟
من المفيد هنا الإشارة إلى أنّ البلدان الغربية ذاتها التي تعترف الآن بحقوق المثليين وتسنّ التشريعات التي تنظّم حتى الزواج المثليّ، هي نفسها التي كانت حتى الأمس القريب تضطهد المثليين وتعتبر المثلية الجنسية مرضاً نفسياً وظاهرة اجتماعية خطيرة يجب محاربتها.
في الولايات المتحدة الأمريكية، التي أقرّت فيها مطلع هذا العام خمس ولايات تشريعاتٍ وقوانين تجيز عقود الزواج للمثليين، أصدر الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور سنة 1953 مرسوماً يمنع أيّ مثليّ أو مثليّة من الحصول على الوظائف الحكومية، وتمّ فصل الكثيرين من الجيش والوظائف المدنية، وحتى من بعض الشركات الخاصة. ومارس مكتب التحقيقات الفدرالي الـ FBI التمييز والتحرّش ضدّ المثليين وقام بتعقّبهم ومنع نشاطاتهم العلنية، وصولاً إلى عقد الستينات حيث نشأت بالتزامن مع حركة الحقوق المدنية للسود حركة محبّي المثلية الجنسية، وبلغ عدد أعضائها الآلاف لتنتشر بعدها الجمعيات المشابهة وتصل إلى خمسين جمعية في عام 1969، العام نفسه الذي حصلت فيه حادثة شكّلت علامة فارقة للجمعيات والحركات المثلية، حيث قامت الشرطة في 27 حزيران من ذلك العام بمهاجمة مقهى ستون ويل في نيويورك وهو من معاقل المثليين، ليقوم على إثرها المثليّون بالتظاهر لعدّة أيام احتجاجاً على الحادثة. في العام التالي وتحديداً في الذكرى السنوية الأولى لتلك الحادثة، خرج مئات المثليين في مسيرة أطلقوا عليها اسم “مسيرة الكرامة” لتصبح بعدها تقليداً سنوياً للمثليين في بلدان أوروبية عدة أيضاً. ووصل عدد المشاركين فيها إلى ستمائة ألف في العاصمة واشنطن عام 1987 ما اعتبر رقماً قياسياً في حينه.
أما في ألمانيا فقد تعرض المثليّون إلى الاضطهاد إبان الحكم النازيّ، بل وصل الأمر إلى اعتبارهم مصابين بمرض لا فكاك منه ما يقتضي اجتثاثهم من المجتمع الآري النقيّ، وتعرّضوا بذلك للإبادة الجماعية.
وقد بقيت المثلية الجنسية جريمة يعاقب عليها القانون الألمانيّ حتى سبعينات القرن الماضي. أما اليوم فقد منحت الحكومة الألمانية للمثليين الحقّ في عقد الزواج، الأمر الذي يعتبر مساواة قانونية بين نمط الزواج التقليدي والزواج بين المثليين. وتشير الإحصائيات إلى وجود ما يزيد عن خمسين ناديا ومقهى وما شابه للمثليين في مدينة هامبورغ فقط! عدا عن عشرات الجمعيات التي تقدم الخدمات المختلفة والمحامين والأطباء للمثليين. (للمزيد يمكن زيارة الموقع الألماني باللغة العربية http://www.study-in-germany.de/.).
وفي انكلترة التي تجيز العلاقات المثلية، بل إنّ حالات زواج كنسيّ إحداها بين امرأتين قد سجّلت هناك، كانت النظرة تجاه المثلية الجنسية حتى خمسينات القرن الماضي تصنّفها على أنّها شذوذ وعمل لا أخلاقيّ. وقد نشرت دراسات علمية اعتبرت “شغف الشخص بجنسه هو نوع من العصاب المكتسب، وأنه يمكن العلاج منه بالتحليل النفسي” (الدكتور محمد فتحي، التوافق الزوجي، مكتبة الخانجي بمصر، 1970، ص 290) ويورد المرجع المذكور دراسات عديدة لباحثين بريطانيين مختلفين تؤيّد ما نذكر.
بالعودة إلى واقع حال المثليين الجنسيين عربياً، فإن جولة سريعة على المنتديات والمواقع الإلكترونية العربية المعنية بالموضوع كفيلة بإطلاعك على الواقع البائس لهذه الشريحة من الناس المتزايدة الظهور يوماً بعد يوم. إن تعليقات الزوار ومداخلاتهم في تلك المواقع والمنتديات تعكس حالة التخبّط والإحباط وعقد الذنب التي يعانيها معظم المشاركين من مثليّي الجنس، وحالة التهكّم والتكفير والتهم القاسية أحياناً من قبل معلّقين في تلك المواقع والمنتديات من غير المثليين.
وسنعرض نموذجاً لكلّ منهما، وقد تم اختيار كل نموذج من بين عينات عشوائية قرأناها في تلك المنتديات:
يقول شخص يسمي نفسه (المعذّب): " أنا مثليّ الجنس أعاني… كوني متدين والدين حرم هذا… صديقي معي بأحلامي دوماً وأنا معه وحاجتنا لبعض عاطفية أكثر من جنسية وصدقوني المجتمع مليء أرجوكم ساعدونا نحن مستعدون للحل ولانعلم كيف نبدأ نحن متألمون ومعذبون… نحن مرضى وكم تمنيت الموت خوفا من الخطأ وعقاب الله “.
أما المعلقون من غير المثليين، فقد تشابهت منطلقاتهم وغلب عليها الطابع الديني، تقول (مسلمة): " وأصبحنا نسمع ونرى من الاهوال والمفاسد في الاخلاق ما جعلنا نخاف على أولادنا من كل ما حولهم …سترنا الله وأحبابنا وأمة محمد وحمانا من شر هذه الفتن الغربية على مجنمع الاسلام…” !!.
إن ما نستخلصه من مداخلة “المعذّب” والذي ـ باعتقادنا ـ يعبر بدقة عن شعور الأكثرية من المثليين في مجمعاتنا يتركز في أربع نقاط أساسية هي:
الإحساس بالمعاناة والتناقض. الاقتناع بأن ما يقومون به خطيئة تستوجب العقاب الإلهي. إلحاح الحاجة وعمقها ولا إراديتها رغم ما سلف. الرغبة بالتخلص من الميول المثلية واعتبارها مرضاً والمطالبة بالعلاج والاستعداد له. أما فيما يخص نموذج التعليق المقابل فإنه يضج بالغيبيات ويستبطن نقطتين خطيرتين:
الجزم بأن المثليين هم ناس بلا أخلاق وفاسدون. المثلية لا يمكن أن تنتشر في المجتمع الإسلامي لأنها غريبة عنه (الإسلام هو الحل). ولقناعتنا بأن عرض المشكلة لن يستوفي الفائدة منه إذا لم يقترن بحلول مقترحة فإننا نرى تحديد طرفي المشكلة بالمثليين من جهة والرافضين المهاجمين لهم من جهة ثانية. ويتحمل من بينهما من أصحاب الرؤية الموضوعية ممن يتعاملون مع المسألة من غير تحيّز نصيباً في محاولة حلّ المشكلة والتخفيف من آثارها النفسية والاجتماعية.
فيما يتعلق بالطرف الأول (المثليون الجنسيون): ربما يكون من الأفضل أن يقوم العلاج النفسي بدلاً من محاولة تغيير الميول الجنسية لمثليي الجنس، بالعمل على مساعدتهم على تقبل ذواتهم والتصالح مع ميولهم، وإعادة ثقتهم بأنفسهم لكي يتمكنوا من متابعة حياتهم اليومية بشكل طبيعي وليس كأفراد مأزومين، مذنبين ومنبوذين، ولهذا مداخل عدة يمكن أن يقترحها أصحاب الخبرة من الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين.
أما فيما يتعلق بالطرف الآخر (الرافضون المهاجمون) وهم أكثرية كما نعلم: فالدور الأكبر يقع على وسائل الإعلام وحملات التوعية التي تقوم بها الجهات غير الحكومية المهتمة بالقضية. ولا بد من استهدافهم وتغيير الصورة النمطية لديهم تجاه المثليين من خلال شرح أسباب الظاهرة بالطرق العلمية سواء الأسباب النفسية أوالجينية أو التربوية والاجتماعية.
كثير من الأسر تضم مثليين دون أن تعلم، ونجزم أنّها لن تجيد التعامل المتوازن مع الموضوع فيما لو علمت. إننا ومع إقرارنا بأن المثلية الجنسية ليست المشكلة الأكثر إلحاحاً في مجتمعاتنا، فإنّنا ندرك أنّ التعامل المبكّر بوضوح وشفافية مع أيّ ظاهرة مستجدّة في المجتمع، هو السبيل الأمثل كي لا تتراكم أزمات جديدة وتتفاعل في بلدان الأزمات المزمنة والشعوب المأزومة.

( منقول / بقلم: طارق عزيزة )