مُذكراتي في سجن الكويفية

شخصي

#1

مذكراتي في سجن الكويفية

ثلاث سنوات مرت و لازلتُ حبيس الماضي
إعتراف ليس في صالحي البته…
حيث ان الكثيرين من حولي يصوبون أنظارهم نحوي من وراء شاشات هواتفهم…
البعض يعتقدون بأنني لم اعد اكترث على الإطلاق، حتى ان الكثيرين منهم يطمحون للوصول الى هذه المرحلة من اللامبالاة ثم يطلقون عليها تدريجياً إسم “حرية مطلقة”

ثلاث سنوات مرت…
مركز الشرطة-الفويهات /بنغازي
ظلام
هذا اول شيء رأيته، دخلت زنزانة الحجز بعد ان تم تجريدي من كل ما هو حاد
و كل ما هو قابل للتحويل الى عقدة مشنقة كخيط حذائي مثلاً…
بعد أن تم التحقيق معي بشكل مبدئي
ظلام كان اول شيء رأيته…
كنت متعباً للغاية
استلقيت لأنام وسط اربع محتجزين
و نمت بالفعل على فراش يفصل بيني و بين القاع ست سنتيمترات
لا اعلم كم من الوقت استغرقت هذه القيلولة
انا من الاشخاص الذين لا ينامون العصر
ايقضني صوت الباب الذي كسر حاجز الصمت في الغرفة و ازاح الظلام عن اعيننا
سمعت اسمي بصوت نبرته تدل على ان ناطق الاسم معتاد على النده
“ النَّدْهَةُ :الصوت، صوْت الدعوة أو طلب الحضور”
كنت اعتقد ان الدكتور ندهني لأنني نمت في المحاضرة جراء تعبي من مراجعة مادة “الفيزيولوجيا”
لكنني على ما يبدو لم اكن احلم انا بالفعل محتجز
قمت من مضجعي، الذي لن يكون مضجعي بعد قليل…
ذهبت مع الحارس الى مكتب المحقق مجدداً
حيث اراد مني ان اروي له القصة مرةً اخرى
ليقول لي بأنني “لوطي” في نهايتها
القصة كالأتي:
في وضح النهار في جامعة بنغازي المعروفة بأسم جامعة العرب الطبية
كنت واقفا مع اثنان من اصدقائي اللذا حضنا بعضهم البعض كأي صيقان يرحبان ببعضهم البعض
امام نقطة الامن الذين يتبعون بالطبع للأمن الداخلي للدولة إن صح تسميتها “دولة”
تم ترجمة هذا الموقف في عقولهم بأننا نحتفل بعيد الحب…
لم يتم اعتقالي في هذا اليوم

على أي حال تم اعتقالي في اليوم الثاني
عندما ذهبت للجامعة بإرادتي لأنني كنت اعلم بأنني لم افعل شيءً
عند دخولي من بواوبة الجامعة
تم سحب مني بطاقة الجامعة و نقلي الى نقطة امن الجامعة
وجدتهم هناك ينتظرون، و كأنهم كانوا يجهزون لإستقبال ارهابي

لا اريد ان اغوص في الحكاية لأنها مملة جداً بالنسبة لي…
المحقق يصر على انني انا و صديقي كنا نقبل يعضنا فماً لفم على الدرج
و هذا طبعا ان كان صحيحاً و منطقيا بما فيه الكفاية
كيف لي ان اقبل صديق لا تربطني به اي عاطفة رومانسية في ساعة الظهر في الجامعة وسط كل الطلاب؟

المحقق كان شديد الصرامة،

لازلت اتذكر تفاصيل وجههُ الحاد، فتحتا الانف الواسعتان
عيناه صغيرتان كحبتان زيتون لم ينضجا بعد
و ابتسامة ساخرة
و وجه تكسوه لحية مليئة بالفراغات
و تحت التهديد جعلني اتكلم عن طفولتي كشاب “مثلي” ، كنت ساذجاً في تلك اللحظة كل ما اردت هو الذهاب الى المنزل
قلت في اعماقي ربما ان شرحت له معاناتي سيتفهم “ما هو ان تكون مثلي ؟”

ما هو ان يتم عزلك عن فريق كرة القدم
ما هو ان تكون محور حديث المعلمات في غرفة المعلمات
او ان تحمل في قلبك ثقل هذا السر الذي قد يؤدي الى قتلك
و هذا بالطبع ليس له اي علاقة بقضية اعتقالي، التي لا تنص فقط على كوني مثلي
بل تنص على اني مثلي، ملحد، كافر، انشر الفساد و لدي شبكة دعارة في الجامعة
لماذا تكلمت عن ميولي؟ بعد انكاري القاطع
كنت واقفا امامه و كنت اسمع صوت صراخ
صوت شخص يتألم من شدة الضرب في الاسفل
قال لي: “أتسمع هذا الصوت؟”
دون ان ارد عليه تابع “سأفعل بك مثل ما يفعل بهذا الشخص حتى تنزف”
و ان كنت لا تريد الاعتراف سأعرضك على الطبيب الشرعي لأتأكد بأنك “لوطي/شاذ/كوال/ميبون…إلخ
تحت هذا الرعب تكلمت
و بالفعل اخذوني هناك
الطبيب: استلقي على تلك الطاولة
تم فحصي شرجياً
نعم كانت تلك اللحظة التي ادركت فيها انني وصلت الى قاع مأساتي

قد يضن البعض بأن هذا ليس غريباً ان اتعرى امام رجل

لكن الموقف مختلف تماماً
تخيل في تلك اللحظة

ان يتم انتهاك حرمة جسدك دون رضاك
اخذتني ذاكرتي الى ايام الطفولة
و ليس هناك الكثير يمكنني ان اذكره اعتقد بأن الفكرة تشكلت في اذهانكم

رجعت للزنزانة
و لم اجد الفراش لأن سجيناً اخر ينام عليه
ظلام
هذا اول شيء رأيته بعد رجوعي من المصحة

ثلاث سنوات مرت على تلك الفاجعة
ثلاث سنوات
و لازلت اشعر بأنني سجين تلك اللحظة
ذلك الشعور كما اليوم
كما هذه الايام بالضبط

في الصباح فُتح الباب مجدداً

صوت مختلف يحمل في ذبذباته نفس النبرة
محقق اخر استلم الملف
سألني لماذا اعترفت؟
كيف لي ان اساعدك الان بعد ان كتب المحقق الاخر كل شيء
ابتسم لي قائلاً : اني افهمك
قام بفتح هاتفه المحمول و اراني صور جنسية من تطبيق اسمه “ويشات”
اكثر التطبيقات المقززة للقاء المثليين و ممارسة الجنس السريع
اراد ان يتقرب مني و اراد ان يتحرش بي…
قال لي والدك في المكتب فوق

قالوا له امن الجامعة بأنه تم ضبطك في وضع مخل للأداب مع ستة اشخاص تمارسون الجنس

و كانت هذه صاعقة اخرى تهبط على رأسي

انا الذي لطالما كنت فخراً لأبي رغم عدم اعترافه بهذا
اليوم كل هذا ذهب مع الرياح
تلاشى كل شيء
الغطاء الذي كنت استر به نفسي كل هذه السنين نزع مني
في هذا اليوم دفنت نفسي حياً

في هذا اليوم ايقنت بأن ليس لي ما اخفيه
و ان هدفي في الحفاظ على هذا السر اختفى
ليس هناك اسوء من ان تعيش دون هدف،

في هذا اليوم قررت ان اموت طوعاً

تحرش بي الحارس ايضاً و عرض علي المساعدة

واخر لا ينتمي للشرطة أصلاً

كنت أخاف ان يتحرش بي العم سالم

لكنه كان مشغولاً بالبحث عن حبة المخدر التي تم دسها في الطعام

تم نقلي من الحجز الى السجن

مرت ثلاث سنوات
ولازلت حبيس الماضي
سجن الكويفية مدينة بنغازي…
. الزي الأزرق الفاتح الفضفاض تمنيت على الأقل ان يكون على قياسي
لازالت سجين لذلك الشعور و كأن جسدي لا يزال هناك
العم سالم لا يزال هناك ينتظر
ينتظر لأنني وعدته بأن اعود لزيارته ومعي الحذاء الذي أوصاني ان احضره له في حال إثبات برائتي…
. أعلم ذلك لأنني لازال هناك…
في غرفة تحتوي على 30 شخص بالكاد يمكنك التنفس
تأخذني ذاكرتي لهذا الشعور عندما فقدت الإحساس بالوقت،
كهذه الأيام بالضبط لا أبرح مكاني و الجميع من حولي يعيشون بنمطية و كأن كل شيء على ما يرام…
يأكلون و يشربون و يضحكون…
كنت اشتاق الى أمي هناك كما اليوم…
اشتياقي لها ليس عاطفيًا إنما انتماء اعلم ان جمعني القدر بها سأعود لأفر من جديد
جرعات الأمل التي كنت اغذي روحي بها حينها!
ماذا لو عشت بين هذه القضبان للأبد؟

نفس السؤال اسأله لنفسي اليوم
لا يمكنني استرجاع جسدي من جديد حتى اول مرة تعرضت فيها للإغتصاب كنت اشعر بها أما اليوم لا اشعر بشيء…

نظرتي التشاؤمية للحياة تزداد يوما بعد يوم و هذه النظرة ليست كما يعتقد البعض بأنها وليدة المعاناة،

بل هي وليدة “المنطق”

سخرية القدر!

في الامس كنت سجين في زنزانة أقصى امنياتي كانت الخروج…

انظر من حولي اليوم و اعتقد بأنني حر كل المؤشرات تدل على شيءً واحد لازلت سجين…

هذا السجن قد يبدو مرفهاً بعض الشيء ربما لأنني حرٌ لأزينه كيفما شئت لكنني لازلت سجين… سجين الرأسمالية،

ربما الحياة هي عبارة عن زنزانة داخل زنزانة داخل زنزانة أخرى

حتى تتقلص الزنزانة في عقلك… بالتأكيد لا اشعر بشيء ربما كل محاولاتي لبث الحياة في جسدي باتت بالفشل

كل شيءٍ اصبح مرهِق وبلا معنى حتى الموت مرهق حتى التفكير في أسهل طريقة لترك الحياة مرهقة و الكتب مرهقة أيضا انا سجين الصدمة و جسدي في الكويفية

جيو


#2

جميل جدا لو حابب نتعرف